الشيخ محمد رشيد رضا

301

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة » وفي رواية كافة . ورواه آخرون عن غيره بألفاظ أخرى . ولما كانت الشفاعة على إطلاقها غير خاصة به ( ص ) ذهب الجمهور إلي أن الخاص به الشفاعة العظمى لجميع الخلق بفصل القضاء فيهم ومحاسبتهم ليعلم مستقر كل منهم ، وفي أحاديث الصحيحين وغيرهما أن أهل الموقف يرسلون الوفود إلى آدم فنوح فإبراهيم فموسى فعيسي عليهم السّلام يطلبون منهم الشفاعة عند اللّه تعالى بفصل القضاء ، فيعترف كل منهم بأن هذا ليس من شأنه ويقول « لست هناكم » ويطلب النجاة لنفسه ويحيلهم على من بعده ، حتى إذا أحالهم عيسى على محمد صلوات اللّه عليه وعليهم أجمعين أجابهم إلى طلبهم وقال « أنا لها » وفي رواية « أنا صاحبكم » فيشفع في فصل القضاء بين الخلق فتقبل شفاعته . وقيل إن المراد غير هذه الشفاعة وقيل ما يعمها وغيرها ، والروايات في الشفاعة متداخلة مضطربة ، ولسنا بصدد تحقيق القول فيها ثم وصف اللّه عز وجل نفسه في هذا المقام بتوحيد الربوبية وتوحيد الالاهية وبالاحياء والإماتة فقال الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ والمراد بملك السماوات والأرض التصرف والتدبير في العالم كله لما جرى عليه عرف البشر من أن السماوات هي العوالم التي تعلو هذه الأرض التي يعيشون فيها وصاحب الملك والتصرف والتدبير فيهما هو ربهما رب العالمين ، وهو واحد ، ولو كان لغيره تصرف لتعارض مع تصرفه وفسد النظام العام ، فان وحدة النظام في جملة المخلوقات وعدم التفاوت والتعارض فيها دليل على وحدة مصدرها وتدبيرها ، وإذا كان رب الخلائق واحدا وجب أن يكون هو المعبود وحده ، لا إله الا هو ، والتوحيد بقسميه : توحيد الربوبية بالايمان وتوحيد الألوهية بالايمان والعمل اي عبادة اللّه وحده - هما أصل الدين وأساسه ، والركن الأول لعقائده ، وقد اقترن برسالة الرسول ( ص ) وهي الركن الثاني ، وأما وصفه تعالى بالاحياء والإماتة وهو بعض تصرف الرب في خلقه فيتضمن عقيدة البعث بعد الموت التي هي الركن الثالث من أركان الايمان ، فقد أدمجت في دعوى الرسالة أركان الدين الثلاثة - وهو من ايجاز القرآن الغريب - وبنى على ذلك الدعوة إلى الايمان على طريقة التفريع على هذا